أبي منصور الماتريدي
584
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم اختلف في قوله : عَلَى النَّاسِ : قيل : « على » بمعنى « اللام » أي للناس . وهذا جائز في اللغة سائغ ، كقوله : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [ المائدة : 3 ] ، أي للنصب . وقيل : عَلَى بمعنى « على » ، أي أن يشهدوا « 1 » على الأمم للأنبياء على تبليغ الرسالة ، ويشهد الرسول لهم بالعدالة . وفيه دليل قبول شهادة أهل الإسلام على أهل الكفر ، ورد شهادتهم علينا « 2 » ؛ لأنه لو قبلت شهادتنا عليهم على التبليغ ، ثم شهد أولئك بأنهم لم يبلغوا ، لكان فيه تناقض . فدل أن شهادتنا تقبل عليهم ، ولا تقبل شهادتهم علينا . والله أعلم . ويحتمل قوله : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ الذين أبوا إجابة الرسل . وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً أن جحدتم الرسالة ، وذلك قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً . . . الآية [ 143 ] ، أضاف الله إليه جعلهم أُمَّةً وَسَطاً . ثبت أن لله في فعل ذلك فعل به ذكر مننه . والله أعلم . قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ، فالوسط : العدل . أخبر - عزّ وجل - أنه جعل هذه الأمة عدلا ، فالعدل هو المستحق للشهادة والقبول لها . ففيه الدلالة على [ جعل إجماع « 3 » هذه الأمة ] « 4 » حجة ؛ لأنه وصفها بالعدالة ، وصيرها
--> ( 1 ) في أ : تشهدوا . ( 2 ) الأصل أن يكون الشاهد مسلما ؛ فلا تقبل شهادة الكفار ، سواء أكانت الشهادة على مسلم أم على غير مسلم ؛ لقوله تعالى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ . وقوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ، والكافر ليس بعدل وليس منا ، ولأنه أفسق الفساق ويكذب على الله تعالى فلا يؤمن منه الكذب على خلقه . وعلى هذا الأصل جرى مذهب المالكية والشافعية والرواية المشهورة عن أحمد . لكنهم استثنوا من هذا الأصل شهادة الكافر على المسلم في الوصية في السفر فقد أجازوها ؛ عملا بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ . وأجاز الحنفية شهادة الذميين بعضهم على بعض ، وإن اختلفت مللهم ، وشهادة الحربيين على أمثالهم . وأما المرتد فلا تقبل شهادته مطلقا . ينظر : البحر الرائق ( 7 / 102 ، 104 ) ، المبسوط ( 16 / 133 ، 135 ) . ( 3 ) الإجماع في اللغة يراد به تارة : العزم ، يقال : أجمع فلان كذا ، أو أجمع على كذا ، إذا عزم عليه ، وتارة يراد به : الاتفاق ، فيقال : أجمع القوم على كذا ، أي : اتفقوا عليه ، وعن الغزالي أنه مشترك لفظي . وقيل : إن المعنى الأصلي له العزم ، والاتفاق لازم ضروري إذا وقع من جماعة . والإجماع في اصطلاح الأصوليين : اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم في عصر ما بعد عصره صلى اللّه عليه وسلم على أمر شرعي ، والمراد بالأمر الشرعي : ما لا يدرك لولا خطاب الشارع ، سواء أكان قولا أم فعلا أم اعتقادا أم تقريرا . ينظر : المستصفى ( 1 / 173 ) . وجمهور أهل السنة على أن الإجماع ينعقد باتفاق المجتهدين من الأمة ، ولا عبرة باتفاق غيرهم مهما كان مقدار ثقافتهم ، ولا بد من اتفاق المجتهدين ولو كانوا أصحاب بدعة إن لم يكفروا ببدعتهم ، فإن كفروا بها كالرافضة الغالين فلا يعتد بهم ، وأما أصحاب البدعة غير المكفرة أو الفسق فإن الاعتداد بخلافهم أو عدم الاعتداد فيه خلاف وتفصيل بين الفقهاء والأصوليين . وذهب قوم إلى أن العبرة باتفاق الخلفاء الراشدين فقط ؛ لما ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى ، عضوا عليها بالنواجذ » . وهذا خبر آحاد لا يفيد اليقين ، وعلى فرض التسليم فإنه يفيد رجحان الاقتداء بهم لا إيجابه . وقال قوم : إن الإجماع هو إجماع أهل المدينة دون غيرهم ، وهذا ظاهر مذهب مالك فيما كان سبيله النقل والتواتر ، كبعض أفعاله صلى اللّه عليه وسلم : كالأذان والإقامة وتحديد الأوقات وتقدير الصاع والمد ، وغير ذلك مما يعتمد على النقل وحده لا على الاجتهاد ، وما سبيله الاجتهاد فلا يعتد عنده بإجماعهم . وقد اتفق الأصوليون على أن الإجماع ممكن عقلا ، وذهب جمهورهم إلى أنه ممكن عادة ، وخالف في ذلك النظّام وغيره . وخالف البعض في إمكان نقله . ينظر : إرشاد الفحول للشوكاني ص ( 73 ) . والإجماع حجة قطعية على الصحيح ، وإنما يكون قطعيا حيث اتفق المعتبرون على أنه إجماع ، لا حيث اختلفوا ، كما في الإجماع السكوتى وما ندر مخالفه . ينظر : شرح جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ( 3 / 224 ) . ( 4 ) في ب : جعل هذه الإجماع .